ملا محمد مهدي النراقي

14

جامع السعادات

إلى أن يأخذ من أموالهم المحرمة ، وإذ خطر له أنها حرام ، قال له الشيطان : هذا مال مجهول المالك يجب أن يتصدق به أمام المسلمين وأنت إمامهم وعالمهم ، وبك قوام دين الله ، فيحل لك أن تأخذ منها قدر حاجتك وتصرف الباقي على مصالح المسلمين ، فيغتر بهذا التلبيس ، ولا يزال يأخذها من غير أن يبذل شيئا منها في مصرف غيره . وربما انتهى الغرور في بعضهم إلى حيث أنه إذا حضرت مائدتهم وأكل طعامهم وقيل له : إن هذا لا يليق بمثلك . قال : الأكل جائز بل واجب ، إذ هذا مال لا يعلم مالكه ، فيجب التصدق له على الفقراء ، ويجب على مثلي بقدر القوة والاستطاعة أن يجتهد في استخلاصه من يد الظالم وإيصاله إلى أهله - أعني الفقراء - وأكلي منها نوع قدرة على استخلاصه ، فآكل منه وأتصدق بقيمته على الفقراء ، والله يعلم من باطنه أنه لا يتصدق بقيمته ولا يعتقد بحقيقة ما يقول ، وإنما هو تلبيس ألقاه الشيطان في روعه ، لئلا يضعف اعتقاد العامة في حقه ، وربما كان بحيث لا يبالي من أخذ مالهم وأكل طعامهم خفية ، ولو علم أنه يطلع عليه واحد من صويلح العامة المعتقدين به ، امتنع منه غاية الامتناع . وربما كان بعضهم في الباطن مائلا إلى الدخول على السلاطين والأمراء وتاركا له في الظاهر ، وكان الباعث في ذلك طلب المنزلة في قلوب العامة ، ومع ذلك يظن أن الاجتناب عنهم عين ورعه وتقواه . وربما كان بعضهم إمام قوم يظن أنه على خير وباعث لترويج الدين وإعلاء الكلمة ومقيم بشعار الإسلام ، ومع ذلك لو أم غيره ممن هو أعلم وأورع منه في مسجده ، أو يتخلف بعض من يقتدي به عن الاقتداء به ، قامت عليه القيامة ، وربما لم يكن باعثه على الحركة إلى المسجد للإمامة مجرد التقرب والامتثال لأمر الله ، بل كان الباعث محض حب الجاه والرياسة واعتقاد العامة ، أو مركبا منه ومن نية الثواب . وربما أتخذ بعضهم الإمامة شغلا ووسيلة لأمر المعاش ، ومع ذلك يظن أنه مشتغل بأمر الخير ، والظاهر في أمثال زماننا ندور الإمام الذي كان قصده من الإمامة مجرد التقرب إلى الله ، من دون وجود شئ من حب طلب المنزلة في القلوب ، أو تحصيل المال ، أو دفع بعض الشرور عن نفسه في زوايا قلبه ، ولو وجد مثله فهو القدوة الذي يجب أن تشد